الثلاثاء، 20 يناير 2026

« جرينلاند » .. كيف يُمكن لجزيرة مغطاة بالجليد أن تتحول لمفتاح من مفاتيح الصراع العالمي ؟


نوك - فادى لبيب : 
لم تعد جزيرة جرينلاند مجرد مساحة جغرافية مغطاة بالجليد في أقصى شمال الكرة الأرضية، ولا مجرد إقليم شبه ذاتي الحكم يتبع التاج الدنماركي، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر النقاط سخونة في خريطة الصراع الجيوسياسي العالمي ... 
جزيرة نائية ظاهريًا، قليلة السكان، قاسية المناخ، لكنها تختزن في باطنها ثروات هائلة وموقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، جعلها محط أنظار القوى الكبرى، وموضوعًا متكررًا في تقارير الأمن القومي وغرف صنع القرار في واشنطن وموسكو وبكين وبروكسل.


في قلب هذا المشهد، فجّر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب جدلًا عالميًا غير مسبوق، عندما طرح – بشكل مباشر – فكرة استحواذ الولايات المتحدة على جرينلاند، معتبرًا أن الجزيرة تمثل «ضرورة للأمن القومي الأمريكي»، في خطوة بدت صادمة للرأي العام الدولي، لكنها في الواقع كشفت حجم التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وطبيعة السباق المحتدم على الموارد والمواقع الاستراتيجية في عصر ما بعد الجليد.


جرينلاند، التي تُعد أكبر جزيرة في العالم بمساحة تفوق مليوني كيلومتر مربع، تحتضن مخزونًا هائلًا من المعادن الأرضية النادرة والمعادن الاستراتيجية التي أصبحت عصب الصناعات التكنولوجية الحديثة، من الهواتف الذكية إلى أنظمة الدفاع والصناعات الفضائية، فضلًا عن احتياطيات محتملة من النفط والغاز، وثروة سمكية ضخمة تشكل عماد اقتصادها الحالي. 


ومع تسارع وتيرة ذوبان الجليد في القطب الشمالي بفعل التغير المناخي، بات الوصول إلى هذه الموارد أكثر سهولة، وبدأت تتضح معالم تحول اقتصادي وتجاري قد يعيد رسم خريطة النفوذ العالمي خلال العقود المقبلة.


ولا تتوقف أهمية جرينلاند عند ثرواتها الطبيعية فقط، بل تمتد إلى موقعها الجغرافي الفريد الذي يجعلها حلقة وصل حيوية بين أمريكا الشمالية وأوروبا، ونقطة ارتكاز متقدمة على طرق الملاحة القطبية الجديدة، التي يُتوقع أن تختصر زمن وتكلفة الشحن بين آسيا وأوروبا بشكل غير مسبوق. هذا الموقع الاستثنائي منح الجزيرة بعدًا عسكريًا حساسًا، تجسده القاعدة الجوية الأمريكية في شمالها، والتي تمثل جزءًا محوريًا من منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي للولايات المتحدة.


في المقابل، جاء الموقف الدنماركي حاسمًا وواضحًا: «جرينلاند ليست للبيع»، تأكيدًا على السيادة القانونية والسياسية، ورفضًا لتحويل الجغرافيا إلى صفقة سياسية، في وقت يدرك فيه الاتحاد الأوروبي أن أي تغيير في وضع الجزيرة قد يخل بتوازنات الأمن في القطب الشمالي، ويفتح الباب أمام تصعيد دولي غير محسوب العواقب.


بين طموحات أمريكية تُبرر بالأمن القومي، وتمسك دنماركي وأوروبي بالسيادة، وتنامي الحضور الروسي والصيني في القطب الشمالي، تقف جرينلاند اليوم في قلب معادلة دولية معقدة، حيث تتقاطع الاقتصاد بالطاقة، والتجارة بالأمن، والمناخ بالسياسة. معادلة تعكس كيف يمكن لجزيرة مغطاة بالجليد أن تتحول إلى مفتاح من مفاتيح الصراع العالمي في القرن الحادي والعشرين.


هذا التقرير يحاول تفكيك أبعاد هذه القضية، من خلال قراءة معمقة في القيمة الاقتصادية والاستراتيجية لجرينلاند، ودوافع الاهتمام الأمريكي المتزايد بها، وحدود الطموح السياسي في مواجهة القانون الدولي والسيادة الوطنية، في وقت يبدو فيه أن معارك المستقبل قد لا تُخاض فقط على خطوط النار، بل على خرائط الجليد الذائب وثرواته الكامنة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق